مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

234

شرح فصوص الحكم

لحقه ) أي المتقدم أو السابق بالسلوك إذ هو غايته لأن الكل سالك إلى الغاية ( هذا ) فاعل لحقه ( الذي ) صفته ( حكم عليه المتأخر ) أي العذاب مدة أيام دولته ( حكم عليه المتقدم ) وهو الرحمة وإلا كان ذلك العبد عدما محضا ، وهو خلاف ما وقع عليه النص والكشف من أنهما مع أهلهما يبقيان لا يفنيان ( فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها سبق ) من موانع ظهورها والعذاب الذي اجتمع معها لا يعدّ غيرها وإن لم يكن عينها ( فهذا ) أي هذا المعنى الذي بيناه بقولنا والسابق متقدم معنى « سبقت رحمته غضبه » وما سبقت الرحمة على الغضب إلا ( لتحكم الرحمة على من وصل إليها ) وإنما وجب الوصول إليها ( فإنها في الغاية وقفت والكل سالك إلى الغاية فلا بد من الوصول إليها فلا بد من الوصول إلى الرحمة ومفارقة الغضب ) فكانت الرحمة مركز العالم كلها ( فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها ) لأن بعضهم يصل إليها في عين الجحيم مع بقاء الألم وبعضها يصل في دار النعيم بلا ألم ( شعر : فمن كان ذا فهم ) أي ذا بصيرة وصاحب كشف ( يشاهد ما قلنا ) من غير أخذ عن قولنا ( وإن لم يكن ) ذا ( فهم ) ( فيأخذه عنا ) أي فيدرك هذا المعنى عن قولنا على ما هو الأمر عليه بالعقل السليم وهم المؤمنون بحال أهل اللّه وفيه إشارة إلى أن المحبين من زمرة أولياء اللّه ( فما ثمة ) أي فما في هذه المسألة في نفس الأمر ( إلا ما ذكرناه فاعتمد عليه وكن بالحال فيه ) أي فيما ذكرناه لا تكن بالقال ( كما كنا ) بالحال فيه ( فمنه ) أي من الحق أو من الرسول إذ ما في الكتاب كله نزل إليه من الرسول في الرؤيا وإن كان في التحقيق من اللّه ( إلينا ما تلونا ) أي الذي تلونا ( عليكم ومنا ) نزل ( إليكم ما ) أي ليس ( وهبناكم منا ) أي من عند أنفسنا ( وأما تليين الحديد فقلوب قاسية ) إشارة إلى القلوب القاسية التي ( يلينها الزجر والوعيد تليين ) أي كتليين ( النار الحديد وتليين الحديد ما هو صعب ) فلا صعب في القلوب القاسية التي كالحديد فإنها يلينها الوعظ كما يلين النار الحديد ( وإنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة تكسرها وتكلسها النار ولا تلينها ) فالحجارة وإن كانت لا تلينها النار لكنها تكسرها فمن القلوب القاسية من أشد قسوة من الحجارة بحيث لا يلين بالزجر ولا تكسر وهو قوله تعالى : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ، ( وما الآن ) الحق له لداود عليه السلام ( الحديد إلا لعمل الدروع ) بضم الدال جمع الدرع ( الواقية ) أي الحافظ عن ضرر سلاح العدوّ و ( تنبيها من اللّه أن لا يتقي ) على البناء المجهول ( الشيء إلا بنفسه فإن الدرع يتقي به السنان والسيف والسكين والنصل فاتقيت ) أنت ( الحديد ) أي من الحديد ( بالحديد ) فجاء الاتقاء من الحديد بالحديد في شرع داود عليه السلام ( فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك ) من حيث رحمانيتك ( منك ) من حيث انتقامك ( فهذا ) المذكور ( روح تليين الحديد فهو المنتقم